الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

35

سر الوجود

مقدمة كتابه المعروف ( بوف كور ) : هناك بعض الجروح في الحياة كالديدان التي تعمل على تآكل الروح ببطء ، ولا يمكن البوح لأحد بهذه الآلام . . . ولم يتوصل الإنسان لحد الآن إلى دواء لهذا الداء ، أمّا الدواء الوحيد الذي يمكن اعتماده بهذا الشأن فهو النسيان من خلال شرب الخمر والنوم الاصطناعي بواسطة الأفيون والمخدرات ، إلّاأنّ المؤسف هو التأثير المؤقت لهذه الأدوية فسرعان ما يتضاعف الألم ويشتد بدلًا من أن يسكن ويهدأ . طبعاً هذه الآلام والجروح التي أشار لها « هداية » ليست إلّاأنواع القلق والاضطراب الذي يفرزه الواقع الحاضر وما يكمن خلف كواليس المستقبل المظلم والمجهول ، ومن النماذج المتكاملة لهذا الاضطراب والرعب ، هو القلق الممزوج بالأمراض النفسية ، والذي رسمه في أحد فصول ( بوف كور ) لبطله : « . . . على هذا الفراش الرطب الذي تبدو منه رائحة العرق ، وحين تثقل الأجفان وأهم بالتسليم للعدم وأعيش الليلة الخالدة تتجدد لدي كل ذكرياتي الضائعة وتخوفاتي المنسية ، الخوف من تحول ريش الوسادة إلى أسنة خناجر ! " وأزرار السترة كبيرة للغاية فتتحول إلى طاحونة ضخمة ! الخشية من قطعة الخبز التي تقع على الأرض أن تتكسر كالزجاجة ! القلق من أني قد أغفو وأنام فيسكب الزيت على الأرض ولعله يحرق المدينة ! القلق من وقع أقدام العلب عند دكان القصاب فيكون صوتها كحافر الخيل ! . . . الخشية أن يتحول فراشي إلى قبر فيضمني ليدفنني